فخر الدين الرازي
134
المطالب العالية من العلم الإلهي
نسمعها ، ذلك يوجب الجهالات . [ فيقال لهم : هذه الجهالات « 1 » ] التي ألزمتموها على هذا القول ، فهي على قولكم ألزم . وذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الإنسان صورا ، ويشاهدها ، ويتكلم معها ، ويسمع أصواتها ، ويرى أشكالها . ثم إنها لا تكون موجودة في الخارج ، جاز أيضا في كل هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود ، أن لا يكون لشيء منها وجود في الخارج بل يكون محض الخيال ومحض الصور المرتسمة في الحس المشترك . ومعلوم أن القول به محض السفسطة . بل نقول : هذا في البعد عن الحق ، والخوض في الجهالة أشد من الأول . لأن على القول الذي نقول نحن به ، جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق ، إلا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء ، ونحن ما رأيناها ، وتجويز هذا لا يوجب الشك في وجود كل ما رأيناه وسمعناه ، أما على القول الذي يقولونه فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها ، وكل صوت سمعناه ، وذلك هو الجهالة التامة ، والسفسطة الكاملة . فثبت أن القول الذي اخترتموه في غاية الفساد . فإن قالوا : إن حصول هذه الحالة مشروطة بحصول أحوال . منها : أن يكون الإنسان نائما . ومنها : أن يكون ضعيف العقل ، كما في حق المجانين . ومنها : أن يكون كامل النفس ، قوي العقل . كما في حق الأنبياء والأولياء ، فإذا لم [ يحصل شيء من هذه الأحوال . وكان الإنسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل ، لم يحصل شيء من هذه الأحوال ، فحينئذ « 2 » ] يحصل القطع بوجود هذه الأشياء في الخارج . فنقول في الجواب : إن بالطريق الذي ذكرتم ، ظهر أنه لا يحس الإنسان
--> ( 1 ) من ( ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .